ابن المقفع

153

الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )

وذلك لأنّ عدد الناس في ضعفتهم وجهّالهم الذين لا يستغنون برأي أنفسهم ولا يحملون العلم ولا يتقدّمون في الأمور ، فإذا جعل اللّه فيهم خواصّ من أهل الدّين والعقول ينظرون إليهم ويسمعون منهم اهتمّت خواصّهم بأمور عوامّهم وأقبلوا عليها بجدّ ونصح ومثابرة وقوة ، جعل اللّه ذلك صلاحا لجماعتهم وسببا لأهل الصلاح من خواصّهم وزيادة في ما أنعم اللّه به عليهم وبلاغا إلى الخير كلّه . وحاجة الخواصّ إلى الإمام الذي يصلحهم اللّه به ، كحاجة العامّة إلى خواصّهم وأعظم من ذلك . فبالإمام يصلح اللّه أمرهم ويكبت « 1 » أهل الطعن عليهم ويجمع رأيهم وكلمتهم ، ويبين لهم عند العامّة منزلتهم ويجعل لهم الحجة والأيد في المقال على من تكسب عن سبيل حقّهم . فلما رأينا هذه الأمور ينتظم بعضها ببعض ، وعرفنا من أمر أمير المؤمنين ما بمثله جمع اللّه خواصّ المسلمين على الرغبة في حسن المعاونة والمؤازرة والسعي في صلاح عامّتهم طمعنا لهم في ذلك يا أمير المؤمنين وطمعنا فيه لعامتهم ورجونا ألا يعمل بهذا الأمر أحد إلا رزقه اللّه فيه والقوة عليه . فإن الأمر إذا أعان على نفسه جعل للقائل مقالا وهيأ للساعي نجاحا . ولا حول ولا قوة إلا باللّه وهو ربّ الخلق ووليّ الأمر يقضي في أمورهم ويدبر أمره بقدرة عزيزة وعلم سابق فنسأله أن يعزم لأمير المؤمنين على المراشد « 2 » ويحصّنه بالحفظ والثبات والسلام وللّه الحمد والشّكر .

--> ( 1 ) يكبت أهل الطعن : يذلّهم ويهينهم . ( 2 ) المراشد : مقاصد الطرق وما استقام منها .